القاضي عبد الجبار الهمذاني
175
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وإنما قلنا في المكلف إنه متى علم من حاله لو كلف صلاة زائدة أنه كان يعصى في بعض ما كلف ، لا يحسن منه أن يكلف ذلك البعض « 1 » ؛ لأن هذه الصلاة تحصل مفسدة فيما قد كلف . فأما لو حصلت مفسدة في أمر مفيد لم يكلفه ما كان يقبح منه تعالى أن يكلفه ، فكذلك القول فيما ذكرناه . واعلم أنه لا بد في هذه المسألة من ذكر أربعة مواضع : منها إثبات وجه للإيمان يكون عليه صلاحا للمكلف ، ووجه آخر لا يسد لو وقع عليه مسد الوجه الآخر . ومنها : أن يبين أن الإيمان يقع على وجهين يختلف حاله وحال المكلف في إيقاعه عليهما حتى يكون على أحد الوجهين أشق منه على الوجه الآخر وأعظم تأثيرا في النفع منه على الوجه الآخر . ومنها : أن الإيمان يحصل له بفقد اللطف وجه يحصل عليه ويصير لأجله أشق ، ووجه يحصل عليه - لو قارنه اللطف - ويصير لأجله أخف مشقة . ومنها : أن يعلم أن للمكلف طريقا إلى معرفة الوجه الّذي كلف عليه ، والفصل بينه وبين الوجه الّذي لم يكلف عليه . ومتى لم تبين المسألة على ما ذكرناه أو على بعضه لم يتحقق / الكلام فيها . فإن ثبت أن الإيمان يقع على وجه يكون عليه صلاحا ، وعلى وجه آخر لا يكون عليه صلاحا ، فبيان المسألة على ذلك واضح ؛ لأنه إذا كانت الحال هذه ، فإنما يكلف على الوجه الّذي يكون صلاحا عليه . والوجه الآخر غير معتد به في التكليف ، فلا وجه لأن يقال إن له لطفا فيه ؛ لأن ما لا مدخل له في التكليف لا معنى لإثبات لطف فيه .
--> ( 1 ) في الأصل بعض .